الغزالي

74

الأربعين في اصول الدين

يندب إليه ؛ قال صلى اللّه عليه وسلم : « لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان العالمين لرجح » . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « لو لم أبعث لبعثت يا عمر » . وقد أثنى على كثير من الصحابة إذ علم أن ذلك يزيد في نشاطهم ولا يورثهم عجبا . فصل حق على الممدوح أن يتأمل في خطر الخاتمة ، ودقائق الرياء ، وآفات الأعمال ، ويتذكر ما يعرفه من نفسه من القبائح الباطنة ، لا سيما في أفكاره وحديث نفسه ، ما لو عرفه المادح لكفّ عن المدح . وينبغي أن يظهر كراهة المدح ويكرهه بالقلب ؛ وإليه الإشارة بقوله صلى اللّه عليه وسلم : « أحثوا التراب في وجوه المدّاحين » . وقال بعضهم لمّا أثني عليه : اللهم إن عبدك هذا تقرّب إليّ بمقتك ، وأنا أشهدك على مقته . وقال عليّ - رضي اللّه عنه - لمّا أثني عليه : « اللهم اغفر لي ما لا يعلمون ، ولا تؤاخذني بما يقولون ، واجعلني خيرا مما يظنون » . الأصل الثالث في الغضب : اعلم أن الغضب شعلة نار اقتبست من نار اللّه الموقدة التي تطّلع على الأفئدة . ومن غلب عليه فقد نزع إلى عرق الشيطان فإنه مخلوق من النار . وكسر شدّة الغضب من المهمات في الدين ؛ قال صلى اللّه عليه وسلم : « ليس الشديد بالصّرعة ، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب » . وقال عليه السلام : « الغضب يفسد الإيمان كما يفسد الصّبر العسل » . وقال عليه السلام : « ما غضب أحد قط إلا أشفى على جهنم » . وقال رجل : يا رسول اللّه ، أي شيء أشد ؟ قال : « غضب اللّه » . قال : فما ينقذني من غضب اللّه ؟ قال : « أن لا تغضب » . وقال رجل لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : مرني بعمل وأقلّل ! فقال عليه الصلاة والسلام : « لا تغضب » ، فأعاد عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مرارا وهو يقول : « لا تغضب » . فكيف لا تعظم آفة الغضب ، وهو يحمل في الظاهر على الضرب والشتم وإطالة اللسان ، وفي الباطن ، على الحقد والحسد وإظهار السوء والشماتة والعزم على إفشاء السرّ وهتك الستر ، والفرح بمصيبة المغضوب عليه والغم بمسرته . وكل واحدة من هذه الخبائث مهلك . فصل عليك في صفة الغضب وظيفتان :